الغزالي
28
المستصفى
بطل الابصار ، والحالة التي تدركها عند الابصار شرطها وجود المبصر ، فلو انعدم المبصر انعدم الابصار ، وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها ، وهذه الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل ، بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة المسماة تخيلا ، وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا ، ولما كنت تحس بالمتخيل في دماغك لا في فخذك وبطنك ، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة بها يتهيأ للتخيل ، وبها باين البطن والفخذ ، كما باين العين الجبهة والعقب في الابصار بمعنى اختص به لا محالة ، والصبي في أول نشئة تقوى فيه قوة الابصار لا قوة التخيل فلذلك إذا ولع بشئ فغيبته عنه وأشغلته بغيره اشتغل به ولها عنه ، وربما يحدث في الدماغ مرض يفسد القوة الحافظة للتخيل ولا يفسد الابصار ، فيرى الأشياء ، ولكنه كما تغيب عنه ينساها ، وهذه القوة تشارك البهيمة فيها الانسان ، ولذلك مهما رأى الفرس الشعير تذكر صورته التي كانت له في دماغه ، فعرف أنه موافق له ، وأنه مستلذ لديه فبادر إليه فلو كانت الصورة لا تثبت في خياله لكانت رؤيته لها ثانيا كرؤيته لها أولا حتى لا يبادر إليه ما لم يجربه بالذوق مرة أخرى ، ثم فيك قوة ثالثة شريفة يباين الانسان بها البهيمة تسمى عقلا ، محلها إما دماغك وإما قلبك ، وعند من يرى النفس جوهرا قائما بذاته غير متحيز محلها النفس ، وقوة العقل تباين قوة التخيل ، مباينة أشد من مباينة التخيل للابصار إذ ليس بين قوة الابصار وقوة التخيل فرق ، إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء الابصار ، وليس شرطا لبقاء التخيل ، وإلا فصورة الفرس تدخل في الابصار مع قدر مخصوص ولون مخصوص ، وبعد منك مخصوص ، ويبقى في التخيل ذلك البعد ، وذلك القدر واللون ، وذلك الوضع والشكل ، حتى كأنك تنظر إليه ، ولعمري فيك قوة رابعة تسمى : المفكرة ، شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي في الخيال ، وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شئ آخر ولكن إذا حضر في الخيال صورة إنسان قدر على أن يجعلها نصفين ، فيصور نصف إنسان وربما ركب شخصا نصفه من إنسان ، ونصفه من فرس ، وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في الخيال صورة الانسان ، وحده وصورة الطير وحده ، وهذه القوة تجمع بينهما ، كما تفرق بين نصفي الانسان ، وليس في وسعها البتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال ، بل كل تصوراتها بالتفريق والتأليف في الصور الحاصلة في الخيال ، والمقصود أن مباينة إدراك العقل لادراك التخيل أشد من مباينة التخيل للابصار ، إذ ليس للتخيل أن يدرك المعاني المجردة العارية عن القرائن الغريبة التي ليست داخلة في ذاتها ، أعني التي ليست ذاتية ، كما سبق ، فإنك لا تقدر على تخيل السواد إلا في مقدار مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص ووضع مخصوص منك بقرب أو بعد ، ومعلوم أن الشكل غير اللون ، والقدر غير الشكل ، فإن المثلث له شكل واحد ، صغيرا كان أو كبيرا ، وإنما إدراك هذه المفردات المجردة بقوة أخرى اصطلحنا على تسميتها عقلا ، فيدرك السواد ، ويقضي بقضايا ، ويدرك اللونية مجردة ، ويدرك الحيوانية والجسمية مجردة ، وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الالتفات إلى العاقل وغير العاقل ، وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين ، وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية ، قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما ، وهذه من عجيب خواصها ، وبديع أفعالها ، فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير